منتديات أنصار الإمام المهدي ع

رساله في العقل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رساله في العقل

مُساهمة من طرف وحشة الطريق في الأربعاء 20 فبراير 2008 - 0:44

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين ابي القاسم محمد وعلى ال بيته الطيبين الطاهرين الائمه والمهديين وسلم تسليما
هذا الوضوع لاحد الاخوه الانصار
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم




الحمد لله مالك الملك ، مجري الفلك ، مسخر الرياح ، فالق الإصباح ، ديان الدين ، رب العالمين ، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها ، وترجف الأرض وعمارها ، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها 0 اللهم صل على محمد وآل محمد ، الفلك الجارية في اللجج الغامرة ، يأمن من ركبها ويغرق من تركها ، المتقدم لهم مارق ، والمتأخر عنهم زاهق ، واللازم لهم لاحق .

قال السيد أحمد الحسن (ع) يوماً : ( من أراد الحق فرواية واحدة تكفيه ، ومن لم يُرد الحق فالكافي لا يكفيه ) ، يمكننا الإفادة من هذه الكلمة باستخلاص معنى مفاده : إن من يطلب الحق ، فالحق طريقه واضح أبلج ، يستطيع من أراده البلوغ إليه من أيسر السبل ، أما من كان متمرداً على الحق ، فدأبه المغالطة وافتعال كل ما من شأنه تبرير موقفه المنحرف . وهكذا في الحقيقة نجد كثيراً من الناس يأبون إلا القفز على الأدلة الشرعية الكثيرة التي طرحتها الدعوة المباركة ، ليتمسكوا بأوهام اخترعتها أنفسهم المتمردة ، في مسعى منهم للإلتفاف على الحقيقة الواضحة البسيطة .

والغريب في أمر هؤلاء الناس إنهم يتذرعون بمقولات لا تستند على دليل شرعي ، بل إن الدليل الشرعي على خلافها ، ومن هذه المقولات زعمهم حجية العقل ، والقول بضرورة مطابقة كلام المعصوم لعلم النحو ، حتى إن بعضهم يذهب الى أن الخطأ النحوي إذا ما ورد في كلام المعصوم دلّ على عدم عصمته . من هنا ارتأيت كتابة هاتين الكلمتين ، أسأل الله تعالى أن يجعلهما نافعتين .
(( يا عظيم اغفر لي الذنب العظيم ، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا أنت يا عظيم ))
والحمد لله وحده وحده وحده


رسالة في العقل



الغاية المتوخاة من هذه الكلمة تتمثل بالتعرف على الحد الذي يمكن لمعرفتنا العقلية أن تبلغه ، والتحقق من قدرة العقل البشري على معرفة الحقيقة الكامنة وراء ظواهر الأشياء ، فلعله من المعروف بديهة أن حجية العقل المزعومة لابد أن تنبع من قدرته على بلوغ الحقيقة ، أو الكشف عنها ، فإذا ثبت بالبرهان عدم قدرة العقل على الوصول الى الحقيقة يثبت حتماً عدم حجيته ، إذ ما معنى أن تكون للعقل حجية إذا كان عاجزاً عن التعرف على الحقيقة ؟

ولتحقيق هذا الأمر كان لابد من المرور عبر الإشكالية التي شغلت الفكر الفلسفي طويلاً ، وهي الإشكالية المتعلقة بتحديد الكيفية الصحيحة التي ينبغي أن نعي الواقع طبقاً لها 0

فلقد إنقسم الفكر الفلسفي بإزاء هذه المسألة الى تيارين كبيرين يقابل أحدهما الآخر ، وكالآتي :-

1– التيار العقلي : الذي يؤمن بوجود معارف مسبقة يستبطنها الوعي أو العقل البشري تمثل الأساس والقاعدة التي ترتكز عليها كل معرفة يمكن أن نتحصل عليها ، وعليه تكون الحقيقة – بحسب العقليين – كامنة في وعينا لا تزيدها لحظة الوعي الفعلية ، أو الإدراك الحاضر سوى حضور عرضي 0 أي إن الإدراك الحاضر لا يزيد في معرفتنا للحقيقة شيئاً ، وإنما هو يُعيد إنتاج المعرفة المتحصلة بصورة مسبقة في وعينا ، وعليه يؤمن هؤلاء بإمكانية تحقيق معرفة كلية تستوعب الحاضر اللاحق أو الممكن 0 بمعنى إنهم يرون المعرفة المسبقة المستبطنة في وعينا على أنها معرفة مطلقة ، أو كلية .

2- التيار الحسي : الذي يرفض رفضاً مطلقاً وجود أية معرفة مسبقة يستبطنها وعينا ، وبرأيه أن السبيل الوحيد للمعرفة هو ما توفره لحظة الوعي الفعلية ، أي إن المعرفة بحسب ما يراها الحسيون وليدة الإتصال المباشر بيننا وبين الأشياء الخارجية ، أو قل استقبالنا لصورها المحسوسة ، وبهذا ينفون إمكانية تحقيق معرفة كلية ، أو معرفة بالحاضر اللاحق ، فالمعرفة برأيهم جزئية ، محصورة في نطاق الحاضر الذي نعي فيه الأشياء .

والواقع إن المعرفة المسبقة المختزنة في وعينا لا تمثل معرفة كلية أو مطلقة ، فليست هذه المعرفة سوى انتزاع لمفاهيم كلية من مصاديق جزئية متعددة ، وحيث إننا لا يسعنا القطع بحضور كافة المصاديق الجزئية ، فإننا لا نملك بالنتيجة أن نجزم بأن المفهوم الكلي الذي ننتزعه يمثل الكلي نفسه ، إذ من الممكن أن يكون في بعض المصاديق غير الحاضرة لنا ما ليس في الكلي الحاضر . ولكن عدم كون المعارف المسبقة معارف كلية ، لا يعني أن المعرفة الكلية أمر لا وجود له ، أو إنها وهم كما يدعي أصحاب التيار الحسي .

فالحق أن نزوعنا لتشكيل مفاهيم كلية تستوعب المصاديق المتعددة يدل حتماً على أننا نشعر بوجود المعرفة الكلية ، أو نشعر بإمكانها ، وبتعبير آخر يدل دأبنا على تشكيل مفاهيم كلية على أننا نتصور وجود المعرفة الكلية ، وإن كنا على المستوى الفعلي لا نملك قطعاً بأن ما نتحصله معرفة كلية .

وهكذا فإن التيارين كليهما يفشلان في منحنا وعياً حقيقياً لمعنى الأشياء أو حقيقتها ؛ فالمنهج العقلي الذي يبدو في الظاهر وكأنه يمنحنا معرفة كلية بحقيقة الأشياء ، لا يمنحنا في الواقع سوى وهم بحقيقة الأشياء ، أي إنه بكلمة أخرى يصادر وعينا ، أو يغيبه ويقف به عند حد معرفة لا نملك جزماً بحقيقيتها . أما المنهج الحسي فإنه بادعائه انعدام المعرفة الكلية ، إنما يقمع شعورنا بوجود مثل هذه المعرفة ليحددنا بالنتيجة بمعرفة جزئية ، أو عرضية .

إن منشأ الإشكالية في الحقيقة هو إننا نتطلع لتجاوز لحظة الوعي الفعلية لمعرفة ما يمكن أن يؤول إليه وعينا في اللحظة اللاحقة ، أو الممكنة 0 أي إننا بكلمة أخرى نرغب بالوصول الى معرفة لا تقف عند حدود الحاضر الفعلي ، وإنما تتجاوزه الى ما هو آت أو مغيب ، وهذا هو معنى المعرفة الكلية0 ولتحقيق هذه المعرفة لجأ العقليون الى التمسك بالمعارف المسبقة المختزنة في وعينا وحاولوا بناء الصرح المعرفي على أساس منها زاعمين أن هذه المعارف معارف حقيقية ، فأوقعوا أنفسهم في الوهم بإفراطهم هذا0

وإذا كان العقليون قد أفرطوا ، فإن الحسيين من جهتهم قد أوقعوا أنفسهم في حد التفريط حين زعموا أن المعرفة الكلية خرافة لا وجود لها ، وعدوا كل محاولة للوصول الى المعرفة الكلية وهماً مينافيزيقياً بالمعنى المُزدرى للكلمة 0

إن المخرج الوحيد من هذه الإشكالية لابد أن يمر عبر الإعتراف بأنها – أي الإشكالية نفسها – تمثل حقيقة وعينا 0 أي أن نعترف بأن وعينا هو وعي إشكالي ، بمعنى إنه في الوقت الذي تتحدد فيه صورته الفعلية بلحظة الوعي الفعلية فإنه لا يكف عن التطلع لمعرفة الممكن واللاحق لتحقيق معرفة كلية0

علينا الإعتراف إذن بأن هذا التطلع في الوقت الذي يناقض فيه منهج الحسيين ، لا يسوغ أيضاً المقاربة التي يتبناها العقليون .

فالحق إن تطلعنا لمعرفة الممكن أو المغيب – أي المعرفة الكلية – لا يعني إن هذه المعرفة متحققة لنا كما يتصور العقليون ، وإنما يعني إننا نشعر أن المعرفة الحسية ليست هي نهاية المطاف ، وليست هي كل ما يمكننا الحصول عليه من معرفة ، وبكلمة أخرى لا يمثل التطلع ، أو الشعور بوجود المعرفة الكلية ، معرفة إيجابية ، وإنما هو معرفة سلبية لا أكثر ، فوجود هذا التطلع لا يحمل من الدلالة أكثر من إننا نشعر بنقص المعرفة الفعلية التي تمنحنا إياها الحواس .

فالموقف الصحيح إذن يستدعي النظر الى المعارف المسبقة المختزنة في وعينا لا على أنها تمثل معرفة حقيقية ، وإنما بوصفها تعبيراً عن شعورنا بنقص المعرفة الحسية ، أو المعرفة الفعلية المستندة الى الحواس . الأمر الذي يعني أن ننظر الى المعارف المستبطنة في وعينا على أنها تدل على شعورنا بضرورة استكمال نقص المعرفة الفعلية ، باعتبار أن الشعور بنقص المعرفة ليس شيئاً آخر سوى الشعور بضرورة استكمالها0

إن استكمال نقص المعرفة الفعلية يتم عبر إضافة ما يختزنه وعينا من معارف مسبقة لصورة الواقع الفعلية ، أو المعينة ، على أن لا تُستحضر المعارفُ المسبقة إلا إذا استدعتها الصورة المعينة الحاضرة لحواسنا .

وفي هذه الحالة ستتعين الصورة المعينة على أنها المرشد ، أو الموجه لحركة الوعي ، أو لعملية استحضار المعارف المسبقة . فالصورة التي تنقلها حواسنا ستحرك وعينا باتجاه استعادة معارفه المسبقة التي يمكن من خلالها استكمال نقصها – أي نقص الصورة الحسية – ، أو عدم وضوحها .

هذه العملية تختلف عن المنحى الفكري الذي يتبعه العقليون ، فالعقليون يُطلقون العنان لحركة الوعي دون استرشاد بصورة الواقع المعينة ، الأمر الذي يترتب عليه انزلاقهم بعيداً عنها ، ووقوعهم في دائرة الوهم . كما إنها تختلف أيضاً عن صورة الوعي التي ينتهج سبيلها الحسيون ، فهؤلاء يقفون عند حد الصورة المعينة التي تستحضرها الحواس ، دون محاولة استكمال نقصها باستحضار المعارف المختزنة في الوعي .

وهكذا إذا كان كل من العقليين والحسيين على السواء ينطلقون من تصور مسبق لعملية الوعي ؛ تصور يحدد سلفاً طبيعة المعرفة التي ستؤول إليها هذه العملية ، فإن الوعي الصحيح يستوجب التخلي عن مثل هذا التصور المسبق .

فالواقع إن افتراض وجود معارف مسبقة تمثل الأساس لكل معرفة لاحقة – وهو التصور المسبق الذي ينطلق منه العقليون – يعني بالضرورة أن المعرفة اللاحقة ستكون صورة طبق الأصل من المعرفة المسبقة ، وستتعين عملية الوعي في هذه الحالة بوصفها عملية اجترار ، أو تكرار لنفس المعرفة . وكذلك فإن تخلي الحسيين – ظاهرياً – عن افتراض تصور مسبق لعملية الوعي يترتب عليه إضفاء طابع الفوضى واللاتنظيم على عملية الوعي ، أي إن عملية الوعي ستتخذ في هذه الحالة صورة العملية التي تتم من خلالها مراكمة المعارف دون أن يكون ثمة خيط رابط يجمع بينها. والحق إن عدم افتراض تصور مسبق من طرف الحسيين يُراد منه إنهم لا يفترضون تصوراً مسبقاً إيجابياً ، أي تصوراً محدداً أو معيناً ، كما هو شأن العقليين ، وإلا فإن الحسيين – التفتوا الى ذلك أم لم يلتفتوا – يفترضون بدورهم تصوراً مسبقاً ، غاية ما الأمر أن التصور الذي يفترضونه سلبي ، أو غير محدد ، أو قل إنه مضمر.

ذلك أن الإنطلاق من فكرة أن وعينا لا يستبطن معارف مسبقة ، وإن كان يبدو في ظاهره نفياً لفكرة افتراض تصور مسبق ، إلا أنه في جوهره موقف من المعرفة ، وهو إذن افتراض لتصور معرفي مسبق ، وإن كان على حد السلب ، كما أسلفت .

إن عملية الوعي الصحيحة التي وصفناها فيما تقدم تقتضي إذن عدم افتراض تصور مسبق يسيّر عملية الوعي ، أو قل يصادرها حتى قبل أن تنطلق ، وبالإمكان القول إنها تفترض تصوراً مسبقاً ، ولكنه تصور سلبي من حيث الجوهر ، أو قل إنه لا وجود له من حيث الجوهر وإن كان يملك وجوداً ظاهرياً . فالعملية التي وصفناها تقتضي الإنطلاق من لحظة الوعي الحاضرة ، أو الفعلية ، ولكنها تجرد هذه اللحظة من حضورها كتصور مسبق ، أو كموقف معرفي معين ، عبر السماح بحضور المعارف المسبقة المختزنة في الوعي ، و هذه الحالة تختلف مع التوجه الذي يتبعه الحسيون . وهي أيضاً لا تستحضر المعارف المسبقة على أنها حقائق ينبغي صياغة الصورة المعينة الحاضرة لحواسنا طبقاً لها ، بل إن ما يجري يختلف عن المنهجية التي يتبعها العقليون ، حيث تتم إعادة صياغة المعارف المسبقة على وفق ما تقتضيه الصورة المعينة الحاضرة لحواسنا ، وهذا هو معنى أن الصورة الحسية توجه ، أو ترشد حركة وعينا .

وبوصف آخر لعملية الوعي يمكننا أن نقول أن المعارف المسبقة تحضر على أنها المضمون الممكن للصورة المعينة التي تنقلها الحواس ، ومن خلال التفاعل بين المعارف المسبقة والصورة الحسية تترشح صورة الوعي الجديد ، الذي قد يُبقي صورة الوعي السابقة كما هي ، وقد يُغير منها لتتفق مع ما تستحضره الصورة الحسية من تفاصيل ، أو علامات جديدة .

بقي أن أشير الى أن صورة الوعي الجديدة لا تمثل معرفة كلية ، أو حقيقية ، لأننا ببساطة لا نملك القطع بعدم إمكانية حضور تفاصيل ، أو علامات جديدة ، في الحاضر اللاحق ، أو الممكن تغير من صورة هذا الوعي الجديد . ولكن هذه الحقيقة لا تعني – في الوقت نفسه – أن هذه الصورة الجديدة التي تم تشكيلها لا معنى لها ، أو إن تشكيلنا لها لغو لا طائل منه ، طالما لم تعبر عن معرفة حقيقية . فالحقيقة إن افتراض تفاصيل أو صور جزئية جديدة تغير صورة الوعي الحاضرة لا يعدو عن كونه افتراضاً تمليه علينا حقيقة وعينا غير المحيط بكل ما يمكن أن يكون موجوداً في الواقع من صور جزئية ، أو تفاصيل ، وغير القادر من ثمّ على القطع بأن ما هو حاضر هو كل ما هو موجود ، وهكذا طالما كان افتراض وجود تفاصيل جديدة أو مغايرة ، لا يعبر عن وعي حقيقي أو ايجابي ، أي لا يمثل وعياً مبنياً على معطيات حاضرة أو موجودة ، وإنما هو وعي سلبي منشؤه عدم قدرتنا على الجزم بعدم وجود مثل هذه المعطيات ، أقول من هنا يمكننا النظر الى صورة الوعي التي نشكلها على أنها تمثل وعياً حقيقياً ، أو وعياً كلياً بالنسبة لحاضرنا المعين ، أي الحاضر الذي نشكل فيه صورة وعينا ، أما بالنسبة للحاضر الممكن ، أو المفترض فإن صورة وعينا تبقى وعيا حقيقياً بالإمكان فقط ، أي إنها يمكن أن تكون وعياً حقيقياً ، ويمكن كذلك أن تكون باطل الأباطيل على حد سواء .

يتبع رجاءا

وحشة الطريق
مشترك مجتهد
مشترك مجتهد

عدد الرسائل : 269
نقاط : 0
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 08/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رساله في العقل

مُساهمة من طرف وحشة الطريق في الأربعاء 20 فبراير 2008 - 0:48

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين ابي القاسم محمد وعلى ال بيته الطيبين الطاهرين الائمه والمهديين وسلم تسليما
تكملة موضوع رساله في العقل


مما تقدم يتضح أن العقل البشري لا يسعه القطع بتحصيل معرفة حقيقية ، أو كلية ، الأمر الذي يعني إننا لا نستطيع الوثوق بما يُنتجه من معرفة ، وبالتالي لا يمكننا القول بأن هذا العقل حجة .

نعم قلنا فيما تقدم إن بالإمكان النظر الى صورة الوعي التي ينتجها عقلنا على أنها تمثل معرفة حقيقية بقدر تعلق الأمر بالحاضر الذي ننتج فيه تلك المعرفة ، ولكنّ ما تجب ملاحظته هو أن الدافع لهذا القول هو إننا أردنا تحصيل حد مقبول من الحجية لعقولنا يمكننا العمل بمقتضاه في شأن تصريف مصالحنا ، وأعمالنا الدنيوية ، وتحديد مواقفنا من مجرياتها المحيطة بنا .

ولابد من الإلتفات الى أن تحصيل هذا الحد المشار إليه نحن مضطرون إليه بحكم الضرورة ، أي ضرورة أننا لا نملك وسيلة معرفية أخرى يمكن الإستعاضة بها عن العقل ، ومتى ما وجدت مثل هذه الوسيلة يسقط حتى هذا الحد ، فالحجية المقصودة هنا ليست شيئاً آخر غير المقبولية التي يتوخاها المضطر لا أكثر . وإذن فإن العقل بقدر تعلق الأمر بمعرفة الشرع والدين لا حجية له ، ولا وجه أبداً لقبول القول بحجيتة .
إضاءة أولى


قبل ما يقرب من العام صدر بيان من إحدى الجهات المظنون إنها تابعة لمقلدي السيد محمود الصرخي ، وفيه ما مضمونه : إنكم تقولون بعدم حجية الدليل العقلي ، فكيف ثبت لكم أن السيد أحمد (ع) هو وصي ورسول الإمام المهدي (ع) ، ألا يمكن أن يكون هو كذلك وليس كذلك في نفس الوقت ؟ وإذا قلتم إن هذا تناقض تكونون قد حججتم أنفسكم لأن مبدأ عدم التناقض من المبادئ العقلية .

أقول : إن قولنا بعدم حجية العقل ، أو الدليل العقلي لا يستلزم إنكار مبدأ عدم التناقض ، أو قانون العلّية ، أو كون الكل أكبر من الجزء ، وغيرها مما يصطلح عليه بالمعارف الأولية ، لأن هذه المعارف ببساطة ليست سوى قوانين العقل التي ينظم من خلالها معارفه ، وإدراك العقل لها لا يعني شيئاً سوى أنه يدرك ذاته ، لا أنه يدرك شيئاً غير ذاته كما هو مقتضى الحجية التي تعني قدرة العقل على الكشف عن الواقع الخارجي . أي إن هذه المعارف ليست معارف حقيقية تكشف عن واقع خارجي ، وإنما هي معارف سلبية لا تملك من الدلالة سوى أنها تشير الى شعور العقل بنقص الواقع الخارجي المحسوس قياساً بالواقع الذهني أو الواقع الذي يشعر العقل بوجوده ، وهو واقع كلي منسجم لا تناقض أو نقص فيه .
إضاءة ثانية


لا شك أن بعضكم سيتساءل قائلاً : كيف لايكون العقل حجة ، وبه نعرف الله ؟ وقد يسوق هذا البعض أمثلة لفلاسفة تصوروا على الأقل وجود إله أو علة أولى للعالم من قبيل أرسطو وسواه . في الجواب أقول : إن معرفة العقل بالله من قبيل المعرفة السلبية ، فالعقل يتصور وجود قوة خالقة لهذا العالم ، متعالية عنه ، وعلى الإجمال يتصور وجود قوة جبارة لا حدود لقدرتها ، ولكن هذا التصور لا يعني في حقيقته سوى أن العقل يشعر بوجود أو قوة ليست من طبيعة العالم المادي المحدود ، أي إنه بتعبير آخر يشعر بنقص العالم المادي المحدود ، ويشعر أن هذا العالم ليس هو كل الموجود ، وهذا الشعور هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، والرسالات ترتكز على هذه الفطرة في مخاطبة الناس ، وتذكرهم بها ، ( تستثير دفائن العقول ) . والله أعلم وأحكم ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا .
إضاءة ثالثة


قد يقال إنك أبطلت حجية العقل ، وبينت قصوره عن إدراك حقائق الأشياء من طريق العقل نفسه ، وفي هذا ما فيه من التناقض ، بمعنى إنك إن صح قولك بعدم حجية العقل تكون قد أبطلت قولك نفسه . والحق إن قولي المتقدم وإن كان يبطل حجية العقل إلا أنه لا يبطل نفسه كما يُظن ، ذلك إن ما قلته لم يكن سوى بيان لحدود العقل البشري ، وهذا البيان - هو نفسه - كـشف حقيقة عجز العقل البشري عن الإحاطة بالمغيب . وبكلمة أخرى أريد القول إن العقل البشري قادر على معرفة حدوده ، ومعرفته بحدوده تبين له محدوديته وعجزه عن معرفة حقيقة الأشياء .

إضاءة رابعة


إن النقص الذي يميز العقل البشري غير المعصوم – أو غير المحيط بحقائق الأشياء – يجعل من غير اللائق القول بأن العقل الإلهي – كما يعبرون – هو من سنخ عقلنا ، كما يقتضي زعم الأصوليون بأن الله تعالى هو أحد العقلاء ، وما يُحسّنونه إذن يُحسّنه وما يُقبّحونه يُقبّحه ! والحق إن إدراك العقل للحسن والقبح العقليين لا يعني شيئاً أكثر من أن العقل يدرك حقيقته أو ذاته كعقل ، ذلك أن إدراك العقل للحسن ليس سوى إن العقل يدرك أن المفهوم المعين – ولا أقول الواقعة المعينة ، وسيأتي بيان الفرق – ينسجم مع حقيقته التي فُطر عليها ، وكذلك يدرك العقل القبح بمعنى إنه يدرك أن المفهوم المعين يناقض الحقيقة التي فُطر عليها ، وهكذا يدرك العقل حسن العدل بمعنى إنه يدرك انسجام هذا المفهوم مع فطرته ، ويدرك قبح الظلم بمعنى إنه يدرك تناقض هذا المفهوم مع فطرته .

ومعلوم أن ما يُراد الحكم عليه في المسائل الشرعية ليس هو المفاهيم ، وإنما هو الوقائع ، والوقائع لا تحضر بوصفها عدلاً أو ظلماً ، حسنة أو قبيحة ، وإنما هي تحضر بوصفها وقائع مجهولة لا يُعلم مسبقاً ما الحكم الذي ينبغي أن نصفها به ، وإنما يُراد منا أن نعلم ذلك . وبطبيعة الحال سيعمل عقلنا على عرض هذه الوقائع على فطرته أو قوانينه ، أي إنه سيحاول تطبيق مفهومي الحسن والقبح عليها ، أو قل سيحاول تنظيمها على وفق أحد هذين المفهومين ، ولكن النتيجة ليست بالضرورة صحيحة لا تقبل الخطأ كما يُظن ، فالحق إن صحتها أو عدم صحتها تبع لإحاطة العقل بتفاصيل الواقعة ؛ الظاهرة منها والكامنة ، وأنى للعقل البشري غير المعصوم بمثل هذه الإحاطة ؟ فقد يحكم العقل بقبح واقعة ما ، ويتضح فيما بعد حسنها ، وقد يحدث العكس تماماً ، ولكم في القوانين الوضعية عبرة يا أولي الألباب .
إضاءة خامسة
( عند آل محمد الخبر اليقين )


يقول السيد أحمد الحسن (ع) في كتاب العجل الذي يحسن بكل طالب حق أن يقرؤه : والحق إنه ليس لنا – ونحن المغروسين في المادة ، وليس لكثير منا حظ من العقل إلا ظله – أن نتكلم عن الحي القيوم جل شأنه ، إلا بحدود ما ورد في القرآن ، وحديث النبي (ص) وآله الأطهار (ع) وهو عن الله سبحانه وتعالى ، وما هو إلا وحي يوحى ، وقد صرح بهذا المعنى الملا صدرا ( رحمه الله ) في الشواهد الربوبية . وليعلم أولئك الذين يدعون الحجج العقلية وهم مختلفون ( إنهم لو كانوا عقلاء بالمعنى الحقيقي لما اختلفوا ) لأن العقل واحد وهو : الحق المطلوب من ابن آدم الوصول إليه ليعقل نفسه ويعرف ربه ، وهو عالم كلي لا تناف فيه . قال تعالى (( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}((غافر /67}.

أما الذي يشترك فيه جميع بني آدم فهو ظل لذلك العقل ، أو النفس الإنسانية لا العقل الحقيقي . وهذه النفس موجودة في عالم الملكوت ، وهو عالم متنافيات تماماً كعالم الشهادة ، إلا أنه مجرد من المادة ، قال المصطفى (ص) : (( لولا إن الشياطين يحومون حول قلب ابن آدم لنظر الى ملكوت السماوات ))[ الشواهد الربوبية/ الملا صدرا] ، أي إن ابن آدم لو أخلص لله لنظر الى ملكوت السماوات . وبما أن اللب الذي بين جنبينا هو ظل للعقل ، فيكون الإنسان قادراً على إدراك كثير من قوانين عالم المادة ، وربما شيئاً من عالم الملكوت ، ولكنه غير قادر على معرفة عالم العقل ، لأنه فوقه ، إلا بالوصول إليه ، ولا يصل إلا العبد المخلص لله المجيب لدعاء ( أقبل ) ، بعد أن أدبر وغُرس في عالم المادة ، فإذا عرفنا هذا عرفنا خطأ من ادعى العقل ابتداء لكل بني آدم ، ثم جعل المشرع من جملة العقلاء جل شأنه خالقنا وخالق العقل الذي لا يصله إلا المقربون (( كلا إن الإنسان ليطغى ، أن رآه استغنى ، إن الى ربك الرجعى )) [ العلق 6-8] مع إن ما ادعاه عقلاً ما هو إلا ظل له ، وصورة له تختلف باختلاف المرآة التي انعكست عليها ، والنفس التي انطبعت فيها ، ففي النفوس المنكوسة تنطبع الصورة معكوسة ، قال أمير المؤمنين علي (ع) : (( وسأجهد في أن أطهر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس حتى تخرج الدرة من بين حب الحصيد )) .
إضاءة سادسة
( إذا حضر الماء بطل التيمم )


إن افترض ضرورة لعلم الأصول يسقط في حال حضور الإمام المهدي (ع) ، أو من يمثله ، لأنه بهذا الحضور يكون الشرع كله قد حضر ، ومن جهتنا نقول إن الإمام المهدي (ع) حاضر بيننا بشخص وصيه ورسوله السيد أحمد الحسن (ع) ، وعليه لا يرد علينا إشكال حين نقول ببطلان علم الأصول ، فإذا حضر الماء بطل التيمم ، علماُ إن قولي هذا يندرج تحت مقولة أضعف الإحتمالات .





وحشة الطريق
مشترك مجتهد
مشترك مجتهد

عدد الرسائل : 269
نقاط : 0
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 08/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى