منتديات أنصار الإمام المهدي ع

النحو العربي بين مفارقة الدلالة ومغالطة الفهم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

النحو العربي بين مفارقة الدلالة ومغالطة الفهم

مُساهمة من طرف سلام13 في الجمعة 29 أغسطس 2008 - 11:52

بسم الله الرحمن الرحيم
النحو العربي بين مفارقة الدلالة ومغالطة الفهم
لاشك في أن الدراسات النحوية قطعت شوطا كبيرا فيما يعده الدارسون المعاصرون تقدما ، وذلك لما استطاع الباحثون المحدثون فعله عندما باشروا بجسر الهوة بين الدرس اللغوي العربي والغربي بوجهيها ؛ الدلالي والمفهومي حيث أن المحاولات الكثيرة والمبالغ فيها دفعت الكثير من الباحثين في الميدان اللغوي إلى التخلي عن الحذر من التعاطي مع المنهج الغربي بعدما نجح عدد من المستشرقين(من الغرب) والمستغربين(من العرب) في مغازلة الدارسين العرب واستدراجهم إلى ساحة العمل بالمنهج الغربي بدعوى شمولية المنهج ومعاصرته وحداثته ، وكون العربية لسان حي مثل باقي الألسنة يستطيع هذا المنهج بآلياته المقترحة من استنباط كنوز اللسان العربي المحسوسة ، وقد شكلت وجهة النظر تلك ردة فعل على ما فعله الدارسون القدامى عندما فرضوا على القارئ التعاطي مع فكرهم دون السماح لمن لا يقبلوا له الاقتراب من النص ومساءلته ومحاولة تدبره ، وهذا حول الدارس الذي يريد الدخول إلى ساحة البحث اللغوي إلى منافق معرفي لابد له من أن يسطر مدحة بفلان العالم وفلان المحقق حتى صار هذا خلق يتسم به عموما الباحث العربي الذي يرغب في التعاطي مع المنهج القديم الذي يبدأ من ( (أنا) المفكر بوصفها مولد المعرفة ـ بحسب ما يتصورون ـ لتعود إلى (أنا) اللفظ بوصفها العاكس أو الصورة لهذه المعرفة) ، أما الباحث الذي وجد في الحداثة متنفسا وميدانا حرا للتعاطي مع النصوص دون النظر في المسميات فقد وجد نفسه ملزما على التزام المنهج الغربي التزاما كذلك حوله بالنتيجة إلى منافق معرفي ، فهو إما أن يكفر به ومن ثم لا يجد غير المنهج القديم وإن تناوله بلسان معاصر وحاول تحريك جموده ، أو يؤمن به كاملا فيستحيل نسخة مصورة من الباحث الغربي وهنا لابد له من ولوج ساحة النفاق المعرفي مرغما لأنه ليس من أهل المنهج ذلك لأنه منهج مادي صريح لا يراوغ ولا يناور بهذا الواقع الذي يحكمه ويتحكم في توجيهه وهو يعلن صراحة عن طائفيته فهو لا يرضى النقد في أصوله ، ولا يرضى التلاعب في مصطلحاته أو توجيهها إلى غير جهتها التي وضعت لها وتم التوافق عليها ، لذا نرى أن الدارس الغربي يفهم الدلالة على أنها إنتاج جديد لألفاظ تقترب ـ بالضرورة حاملة لمقاصد (معاني) ـ من المعنى أو المعاني بعيدة الغور في ميدان التصور ، ومن يتأمل هذا اللون من الدلالة فهو تماما يعني ما وصل إليه المفكر الإيراني المعاصر الدكتور عبد الكريم سروش (إن معرفتنا بالدين معرفة متغيرة وغير ثابتة ، أي انعدام المرجعية ولا نهائية القراءة)!!! لماذا هذه المعرفة متغيرة؟؟؟ لأنها تبدأ من (أنا اللفظ لتعود إلى أنا الدلالة وهي بلاشك (أنا) المفكر بوصفه منتج الدلالة ولكنها (أنا) متوارية خلف الحجب المتكثرة لألوان الدلالة التي تناسب الزمن المادي الذي نعيش فيه) وهكذا فاللفظ الدال إلى معنى يصل إلى لفظ أو مجموعة ألفاظ دالة على معنى يدل عليه ويقرب الفهم منه ، ولذا فعملية الإنتاج لا تتوقف تماما مادام هناك بشر على وجه الأرض وهذا ما جعل الدكتور سروش يخرج بتصور(لا نهائية القراءة) ، لأنه بالفعل استنادا إلى منطلقات الرجل تصل إلى أن السلطوية لتي تمارسها (أنا) العلماء والمفكرين في تقييد الفهم وحبسه على ما وصلوا إليه يخلق أمة عابدة لأولئك الأشخاص ، وهذا يعني إعادة لإنتاج صنمية اللحم والدم ووثنية الكلمة ، والعلاج للخلاص من هذا الداء العضال قبل أن يستشري في فهم الأمة ويهيمن عليها ـ كما تصوره الدكتور سروش ـ هو نزع سلطة أولئك بجعل النص ساحة كل الأفهام القادرة على التعاطي معه بإيجابية ـ بمعنى أنها منتجة لا مستهلكة حسب ـ وعلى الرغم من أن هذا التصور يعد علاجا لكسر قيد تسلط الفقهاء على النص الديني واحتكاره ، إلا أنه إنتاج جديد (لأنوات) تبدأ من ساحل الثورة على التسلطية (الفكرية) إلى ساحل التسلطية للاستيلاء عليه ونزع يد الفقهاء منه بالقوة ، وما حصل هو تبديل أشخاص وليس تبديل أفهام ، ومن ثم فعنوان التسلطية باق وإن تورى خلف شعارات براقة مخادعة ، من مثل (حرية الفكر ، وحرية الدين والمعتقد ، والعمل على أساس التعددية و....الخ) من لعب الإيهام بكسر قيد التسلطية ، غير أن الواقع يقول أن القيد باق ولكن ما تغير فيه لونه الذي صار أكثر قتامة فلائم لونه لون الواقع المعاش فكان كأنه لا يرى لمشاكلة لونه للون الواقع المعرفي االمعاش .
لذا فالنحو العربي بقي لليوم يدور في ساحة سيبويه ؛ الكتاب والفهم ، ذلك أن كل معاودة لكتاب سيبويه هي عملية تلوين لواقع الكتاب نفسه ، ولذلك كل هذا الإنتاج الغزير لقراءة كتاب سيبويه هو من نموذج (تبدل القراءة) إلى أن وصلت القراءة في مرحلة من المراحل إلى الانفصال عن دائرة سيبويه لنرى دائرة جديدة فعلت ما فعل سيبويه ، وأحكمت قبضتها لتوهم القارئ أنه أمام صرح معرفي جديد اسمه (نظرية النظم) فشرعت الرؤوس في تقليب هذه الأفكار التي تحسبها جديدة على الدرس النحوي والبلاغي ، وهي لمن يتأمل بعمق يجد أنها لا تختلف سوى أنها قميص جديد على بدن قديم ، نسجته مخيلة(متكلم) محاولة إعادة ما قطعه النحاة كي يوصل بين علمي النحو والبلاغة ، ولذلك فعبد القاهر الجرجاني ينطلق من النتيجة ليصل إلى الفرض حيث أنه عكس مسار سيبويه ، فالمسار القديم هو من الفرض إلى النتيجة التي تؤكد صحة الفرض ، وهذا المسار ضيق الدائرة وحصرها في مساحة التنمذج بمعنى أن الباحث إما أن يتخيل نفسه سيبويه (كامل المواصفات) كي يستطيع النظر في النص وتقويله وجسر ما يراه هوة تحتاج إلى جسر ، أو يبقى يردد عبارات الإعجاب بما أنتجه سيبويه!!!
ولقد بقيت محاولة عبد القاهر الجرجاني حبيسة كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة ، وبقي صوت سيبويه عاليا ؛ لأنه انماز عن نتاج الجرجاني بالبساطة وميله نحو التعليمية ، بينما دخل في مؤلفي الجرجاني نفس المتكلمين والمحاججة والمناظرة ، وهذا ما لا يطيقه السواد الأعظم من قارئي النحو العربي ، لأنه أسلوب ممل وتحايلي يستخدمه المتكلم لا للوصول إلى جديد ما وإنما يستعمله لإثبات ما يراه صحيحا!!!
ومضت مسيرة الكتابة والتأليف في النحو العربي حتى جاء زمن ابن هشام النحوي ، فتوجه مباشرة بأدوات النحو التي هي في بدئها كانت من فيوضات النص(القرآن) ثم انتقلت إلى استقراء كلام العرب وشعرهم وأمثالهم وأيامهم وقصصهم ، فانفصلت عن الكتاب المجيد وأسس لهذه الأدوات منظومة أدرجت في كتاب سمي (كتاب سيبويه) الذي لا تراه يستند إلى حديث أو آية إلا إذا كانت مثبتة للقاعدة المستقرءة ـ بظنه ـ وكانت محاولة الجرجاني التي يبدو من عنوانها أنها حاولت العودة إلى الكتاب المجيد ولكنها عودة المتكلم المتمنطق لا النحوي فلم تلق رواجا بين الدارسين ، إلى أن بعثها محمد عبده من ركام النسيان والضياع وأخرجه للعلن ليكتشف دارسو العربية المحدثون أن الجرجاني عقلية سبقت عصرها حيث أنه بالمقارنة مع ما أنتجه دي سوسور عالم اللغة الغربي ، يلمح على أن السابق لما جاء به دي سوسور هو الجرجاني ، لا بل ذهب بعضهم أبعد من ذلك عندما صرح أن دي سوسور قرأ الجرجاني وأخذ أفكاره اللسانية منه فعادة الحياة وبقوة هذه المرة لتقليب أفكار الجرجاني وما قاله .
أما ابن هشام فجاء حاملا معه مذهبه الديني وشرع في تطبيق قواعد على النص القرآني حتى فرغ العديد من النصوص والآيات الشريفة من معانيها ، حيث ليس هناك منهجا واضحا لتعامل هذا الرجل مع النص سوى (أفكاره المذهبية) فعدا على تفريغ مفاهيم الآيات من مصاديقها ولو باختراع ما ليس من النحو ، من مثل تسميته للواو (التي هي لعطف النسق من قبل كتاب سيبويه ومرورا به وتجاوزا لأزمان أتت بعده إلى أن وصلت عند ابن هشام فاخترع لها مسمى جديدا سماها ـ واو الاستئناف ـ) وخصوصا في قوله تعالى(وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ....) ، فالواو التي تحتها خط بظن ابن هشام جعلت التأويل علمه عند الله سبحانه حسب ، أما الراسخون في العلم فهم لا يعلمون تأويله ، ولاشك في أن هذا الفهم الذي قدمه ابن هشام يعطل الآية تماما إن لم يخرب مضامينها العالية ويدق إسفيناً بين الكلمة ولسانها ويصطنع هوة تحبس الكلمة عن مباشرة لسانها ، وتعطل اللسان عن ممارسة وظيفته ، والغريب أن ابن هشام الذي يحبس التأويل في دائرة الغيب حسب يسمح لنفسه في مواقف كثيرة بممارسته ممارسة غير منتجة بل على العكس من مثل جعله لمعاني حروف المعاني غير ما فهم منها ، من مثل قوله تعالى(الذين هم في صلاتهم ساهون) يؤول معنى (في) بـ(عن) وليس هناك من مجوز لهذا التأويل الذي خرب الدلالة في الآية غير (أنا) ابن هشام حسب وعلى هذا النهج استمر ابن هشام الذي يمتدحه ابن خلدون بصورة جعلته عاليا كعبه على سيبويه ، وما امتدحه ابن خلدون إلا لأنه من سنخه وعصبته وعصبيته!!!
وعلى هذا النهج المعطل للنصوص وقراءتها سار النحو العربي بعد أن انفصل تماما عن منبعه الأول وهو ما بدأه أمير المؤمنين(ص) ، مثلما حصل مع عموم الشريعة الإسلامية من تعطيل وصفته الآية الكريمة (وبئر معطلة وقصر مشيد) فالبئر المعطلة هو (علي (ص)) والقصر المشيد هو محمد(ص) ، ومن بعد أمير المؤمنين(ص) أولاده الأئمة وهذا بحسب ما نصت عليه رواياتهم(ص) .
إن انفصال النحو ـ أو ما كان يسمى بالعربية ـ عن نبعه الأصل دفع الإمام الصادق(ع) إلى وصف العمل بهذا الميدان بعد تخريبه بـ(السهك) والسهك معناه الصدأ أو الرائحة المنتنة المنبعثة من العفن ، حيث وردت روايات تبين ذلك ، وعلى سبيل المثال لا الحصر نورد الآتي :
(أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّيَّارِيُّ فِي التَّنْزِيلِ وَالتَّحْرِيفِ، بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُوَيْزَةَ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) إِنَّكَ رَجُلٌ لَكَ فَضْلٌ لَوْ نَظَرْتَ فِي هَذِهِ الْعَرَبِيَّةِ؟ فَقَالَ : لَا حَاجَةَ لِي فِي سَهَكِكُمْ هَذَا!!! وَرُوِيَ عَنْهُ (ع) أَنَّهُ قَالَ : مَنِ انْهَمَكَ فِي طَلَبِ النَّحْوِ سُلِبَ الْخُشُوعَ) .
(وَعَنْ حَمَّادٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : قَرَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) (وَلَقَدْ نَادَينَا نُوحاً)!!! قُلْتُ ؛ نُوحٌ! ثُمَّ قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ لَوْ نَظَرْتَ فِي هَذَا أَعْنِي الْعَرَبِيَّةَ؟ فَقَالَ : دَعْنِي مِنْ سَهَكِكُمْ )
(وَعَنِ الْحَجَّالِ عَنْ قُطَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ؛ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) : أَصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) ( مستدرك‏الوسائل : 23 /279، 280)
ولعلي في هذا المقام نافع أن أورد حادثة الفرزدق الشاعر مع النحوي أبي إسحاق عبد الله الحضرمي عندما اعترض على قول الفرزدق :
وعض زمن يابن مروان لم يدع *** من المال إلا مسحتاً أو مجلفُ
فسأله مستغربا : على ماذا رفعت (مجلف)؟؟؟!!! فأجابه الفرزدق قائلاً : على ما يسوؤك وينوؤك ، علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا!!! ولعل في هذا الجواب بيانا من الشاعر وردّا على النحوي ومقالته ، والأوضح بيانا ما ذكره الإمام الصادق(ع) عن هذا العلم الذي اصطنعه الناس بعد أن فصلوه عن منبعه الأصل ، ومن الغريب أن نرى رجلا مثل الشافعي يقول بصريح العبارة عن العربية ؛ إنها لا يحيط بها إلا نبي!!! والعجيب أنك ترى الخائضين فيها ليسوا أنبياء بل هم من تحصل العلم بشيء منها تحصيلا ، غير انه أباح لنفسه أن يذهب بعيدا في تكييفها مستنداً إلى فهم مغلوط أنتج دلالة فرقت بين النص ومقصديته فكان الحال كما وصف الإمام الصادق(ع)( أَصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) .

سلام13
مشترك جديد
مشترك جديد

عدد الرسائل : 4
نقاط : 0
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 20/08/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى